تدوينة الشهر

الوصية الرابعة: الوصية بالصلاة والمحافظة عليها (عائض القرني)

الوصية الرابعة: الوصية بالصلاة والمحافظة عليها (عائض القرني)

الدرس الثاني: عبادة الشكر (عائض القرني)

 وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ  [لقمان:12] ثم فسرها الله:  أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ  [لقمان:12] لا إله إلا الله ما أعظمها من حكمة! ورأسها شكر الله عز وجل، ولم يفسرها سبحانه وتعالى بمنصب أو بشهادة أو بمال، أو بثروة أو بمكتب أو بمطلوب، بل جعلها شكره سبحانه وتعالى.
قيل لأحد الصالحين: ما شكر الله؟ قال: أما شكر العينين فالبكاء -يعني: من خشية الله- وشكر القلب الحياء، وشكر اللسان الثناء، وشكر الأذنين الإصغاء.
هذا هو الشكر، يقول: شكر العينين البكاء، وعين بكت من خشية الله لا تمسها النار، وأما شكر القلب فالحياء من الله عز وجل؛ أن يعيش مراقبة الله وخشية الله، وأما شكر اللسان فالثناء على الله؛ التسبيح والتحميد، والذكر وتلاوة القرآن، هذا هو شكر اللسان، وشكر الأذنين الإصغاء للحكمة ولقول الله عز وجل.
والشكر ذكر في آيات كثيرة من القرآن أستعرضها معكم أيها الأبرار الأخيار! فإنا نسأل الله عز وجل أن ينظر إلينا في هذا المجلس نظر رحمة، وأن يعلم أنا اجتمعنا لذكره ولطاعته، أتينا من قبائل شتى، ومن أسر متعددة، ومن ألوان مختلفة، ومن أماكن متباينة، جمعنا الرضوان فيه سبحانه وتعالى والرحمة، ولعل الله أن يقول لنا في آخر المجلس: انصرفوا مغفوراً لكم فقد أرضيتموني ورضيت عنكم، فيا ربنا نسألك أن تغفر لنا ذنوبنا وخطايانا.
يقول الله عن الشكر: وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ  [آل عمران:144] ويقول سبحانه وتعالى في الشكر: لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ  [إبراهيم:7] ويقول سبحانه وتعالى في الشكر: وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ  [آل عمران:123] وقال سبحانه وتعالى عن الشكر أيضاً لما ذكر سبحانه وتعالى آل داود قال: اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ [سبأ:13] وقال سبحانه وتعالى: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ  [البقرة:152].

حقيقة الشكر

كيف نفسر الشكر؟
قالوا: هي أن تثني على المنعم بإنعامه، وأن تجعل نعمته في طاعته ولا تخالف أمره، وهذا من أعظم ما فُسر به، ويقابل الشكر كفران الجميل قال تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ  [إبراهيم:28].
لكن تعالوا نستعرض معاني الشكر، يقول سبحانه: اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْراً [سبأ:13] جمع داود عليه السلام آل داود -هذا في التفسير- وكان عددهم ستة وثلاثين ألفاً، رجالاً ونساءً فخطب فيهم وبكى وقال: يا آل داود! إن الله أنعم عليكم بنعم ظاهرة وباطنة، أتريدون أن تبقى؟ قالوا: نعم. قال: قيدوها بالشكر. والله ما خلع نعمة عن عبد إلا يوم يخلع العبد طاعة الله، والله عز وجل ما حبس نعمة عن عبد إلا يوم يعرض العبد عن مرضاة الله، رجل أو أنثى.



ارتحل مرة من المرات إلى الهند من أرض فلسطين -كان يسكن عليه السلام في فلسطين - فأمر الريح أن تحمله فحملته، فلما أصبح في الجو مع الناس على البساط؛ غطى شعاع الشمس عن فلاح يزرع في الأرض، فحجب الشمس عن هذا الفلاح، فنظر الفلاح فرأى سليمان عليه السلام بين السماء والأرض ومعه الحاشية، فقال الفلاح وهو بالمسحاة يخدم الأرض: سبحان الله! لقد أوتي آل داود ملكاً عظيماً، قالوا: فارتفعت هذه الكلمة إلى الله؛ لأن سبحان الله والحمد لله، ولا إله إلا الله والله أكبر، وأمثالها تصعد إلى الله:إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ  [فاطر:10] انظر كيف نسب الضمير إليه وحده، فمرت على سليمان هذه الكلمة، فقال للريح: اهبطي هنا، فهبط بجانب الفلاح، قال: يا فلان! ماذا قلت؟ قال: قلت: سبحان الله! لقد أوتي آل داود ملكاً عظيماً، قال: والذي نفسي بيده لقولك سبحان الله أحسن مما أوتي آل داود.قالوا: أحد الصالحين نظر بنظرة واحدة إلى منظر لا يحل له فنسي القرآن بعد أربعين سنة.
قال لهم داود: صلوا في كل ساعة وتناوبوا الليل والنهار، فوزعهم إلى جماعات؛ فما كان يمر عليهم ساعة في الليل والنهار إلا وقوم يذكرون الله ويسبحون الله ويصلون لله: اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْراً  [سبأ:13] وهذا مصدر، أي: هكذا فاعملوا: وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ  [سبأ:13].
سليمان بن داود عليه السلام في قصصه أجرى الله له الريح، كما قال سبحانه وتعالى: وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ  [سبأ:12] وهذا هو الملك العظيم، يوم قال: رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ  [ص:35] فسخر الله له الريح، فكان يأمرها أن تنقله من مكان إلى مكان، فتأتي كالبساط تحته فتحمله ومعه الأمراء والوزراء، والعلماء والجيش، وتنقله من مدينة إلى مدينة، وهذا ما يبلغه العلم الحديث أبداً، وأي علم يبلغ هذه الدرجة؟! ويقول الله في وصف الريح إذا أراد أن يهبط، رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ  [ص:36] لأن الإنسان يتساءل إذا رفعت الريح سليمان ومن معه كيف تهبط به، أهناك مدرجات أم تصطدم به في الأرض أم ماذا تفعل؟ قال سبحانه: رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ [ص:36] ومعنى رخاءً: أي أنها تتدرج في خفة سرعتها حتى يقع على الأرض: رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ [ص:36] حيث أراد من الأرض، إذا قال: اهبطي هنا لا تهبط بقوتها، بل تترسل رويداً رويداً حتى يهبط بسلام.
ويقول عليه الصلاة والسلام في صحيح مسلم: {لأن أقول سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، أحب إلي مما طلعت عليه الشمس -وفي لفظ- أو غربت} قالوا: وأفضل حلية حلية الشكر، تجمل الناس بالذهب ولكن أصبح بلا إيمان لعنة، واتخذوا القصور، ولبسوا الملابس الفارهة، وركبوا السيارات؛ لكن لما تجردت عن الشكر ما أصبح لها طعم، ولا لون.


وأحسن لباس لباس التقوى وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ  [الأعراف:26].

 شكر المرأة لله


يقول بعض العلماء: إذا أرادت المرأة أن تتجمل فلتتجمل بتقوى الله، فما لبست أعظم من تقوى الله حلة، لا ذهباً ولا فضة.
هل عرفت المرأة أن أعظم حلة تتحلى بها هي تقوى الله؟ هل علمت المرأة المسلمة أن حجابها وسترها، وعفافها وذكرها أعظم زينة يزينها الله بها في الدنيا والآخرة: يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ  [الشعراء:90-89].
هل علمت المرأة أمام الموضات، وأمام الغزو، والزحف الماكر، والعدوان والحرب على المرأة، أن زينتها في حفظ عرضها ونفسها ودينها وعفافها وتربية بنيها؟ والله! إن هذه المرأة التي تتكشف وتتبرج، وتتزين للناظرين، وتعرض نفسها سلعة للعيون، وتحاول أن تقدم نفسها في صورة بهية -على زعمها- لهي من أشوه النساء في الدنيا والآخرة.

أراد الإسلام أن تكون المرأة درة في صدف، وأراد الكفار والفجار والمعرضون أن تكون سلعة معروضة كاللحم عند الجزار، تراها العيون وتلمسها الأيدي، فأقول هذا بمناسبة ما هو شكر المرأة لله؟ شكرها التقوى والحجاب والعفاف، قال تعالى: وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى [الأحزاب:33] وهذه الجاهلية أدهى وأطم من تلك الجاهلية، من سمع في الجاهلية الأولى أن المرأة تمر على خياط في عهد أبي جهل فتقف معه وتخلو به، وتركب مع السائق الساعات الطويلة وهي متزينة متجملة متعطرة، فقدت زوجها ونسيها زوجها وغاب عنها وغاب عنها الإيمان؟
هل علم أن امرأة كانت تجوب السوق من الصباح إلى صلاة الظهر تخالط الهندوكي والسيخي والمسيحي والفاجر المعرض المتهتك؟ متى كان هذا؟ ألا إن هذا كفر بنعمة الله عز وجل، وهذا من أسباب السخط والمحق -والعياذ بالله- في الأمة، ويوم تصل المرأة إلى هذا المستوى فقد كفرت بأنعم الله، وقد جحدت معروف الله.

كيفية شكر الله

قال: وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ  [لقمان:12] يا لقمان! اشكر لله.
يقولون: داود عليه السلام قال: يا رب! كيف أشكرك؟ ما أستطيع أن أشكرك، قال: يا داود! أتعلم أني أنا المنعم؟ قال: نعم. يا رب!قال: فقد شكرتني.
ضاع فرس لـجعفر الصادق رحمه الله قال: والله لئن وجدت فرسي؛ لأشكرن الله شكراً من أعظم ما يشكره به الشاكرون، فلما وجد الفرس وركبه قال: الحمد لله رب العالمين، قالوا: أين الشكر؟ قال: قد قلته، قلت: الحمد لله رب العالمين.
ولذلك لما أراد الله أن يثني على نفسه قال: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ  [الأنعام:1] وقال: الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [فاطر:1] وهي من أعظم الكلمات؛ حتى إن عمر رضي الله عنه مر على أعرابي في السوق فقال: يا أعرابي! كيف حالكم -ليس من القضايا المهمة أن يدري عمر ماذا حدث للبدوي هذا لكن يريد أن يسمع كلامه- قال الأعرابي: الحمد لله يا أمير المؤمنين! قال عمر: إياها أريد، يعني: أريد الكلمة أن تنطقها وأن تقولها لتكتب في ميزان حسناتك وهي من أعظم الكلمات.
وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ  [لقمان:12] هذا تعبير القرآن وبلاغته وهذا سر بقاء القرآن، فهذه الوثيقة -المصحف- معنا ألف وخمسمائة سنة، ووثيقة ماركس اثنتان وسبعون سنة وداسها جرباتشوفبجزمته وهو من أبناء وأحفاد ماركس، لكن قرآننا يثبت عظمته، ويثبت جماله وجلاله، وبقاءه وخلوده وحفظ الله له.

وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ  [لقمان:12] من صلَّى صلَّى لنفسه، من صام صام لنفسه، صحَّ عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: يقول الله تبارك وتعالى: {يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً} والله لو كان العالم -كل العالم- على تقوى أتقى الأتقياء؛ يصلون ويصومون ويذكرون، ولم يكن فيهم رجل واحد ما زاد في ملك الله ذرة.
والله عز وجل هو الغني سبحانه وتعالى، لا تضره معصية العاصي ولا تنفعه طاعة الطائع، قال: ومن كفر بهذه النعم؛ فإن الله غني حميد، أي: لا يحتاج إليهم وليس في حاجتهم، وإنما تسببوا لأنفسهم بويل وخسران وبضر في الدنيا والآخرة.
والآن انتهى من المقدمة؛ وعرفنا بلقمان وترجمته وحياته في آية واحدة.
والقرآن لا يأتي بالحزئيات التي أشغلنا أنفسنا بها، ولد عام كذا وكذا في يوم كذا وكذا وفي ساعة كذا وكذا، وكان يأكل كذا وكذا، وكان له من الأطفال كذا وكذا، لا. فالقرآن يأتي بقضايا كلية، يوم يتكلم عن الكلب في سورة الكهف ما أتى بلونه، وبعض المفسرين يقول: لونه أسود، قال الآخرون: لا. مبرقش، قال الآخرون: لا. أحمر يميل إلى الصفرة، ما بقي إلا أن يقولوا: بنفسجي، القرآن ما عرض لهذا، بل أتى بالمقصد وسماه كلباً، ويقول للرسول صلى الله عليه وسلم: فَلا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِراً  [الكهف:22].
وقال عن الطعام والشراب: لَمْ يَتَسَنَّهْ  [البقرة:259] قالوا: كان شرابه التوت، قال قوم: لا. عصير الزيتون، وقال قوم: لا. ما بقي إلا الميراندا أو الببسي، فالقرآن ما عرض لهذا ولكن أتى بقواعد كلية، فترجم للقمان في آية، ثم تكلم عن وصاياه.

شارك الموضوع

إقرأ أيضًا