القول في تأويل قوله تعالى ( ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار ( 201 ) )
قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل في معنى"الحسنة" التي ذكر الله في هذا الموضع .
مـــــا معـنـــــاها
قال ابن كثير - رحمه الله - :
• الحسنة في الدنيا : تشمل كل مطلوب دنيوي من عافية، و دار رحبة ، وزوجة حسنة ، وولد بار ، ورزق واسع ، وعلم نافع ، وعمل صالح .
• والحسنة في الآخرة : فأعلاها دخول الجنة ،وتوابعه من الأمن من الفزع الأكبر في
العرضات ويسير الحساب وغير ذلك من أمور الآخرة .
• الوقاية من النار : فهو يقتضي تيسير
أسبابها في الدنيا من اجتناب المحرمات وترك الشبهات .
حدثنا الحسن بن يحيى ، قال أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة في قوله : " ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة " ، قال : في الدنيا عافية ، وفي الآخرة عافية . قال قتادة : وقال رجل : " اللهم ما كنت معاقبي به في الآخرة فعجله لي في الدنيا" ، فمرض مرضا حتى أضنى على فراشه ، فذكر للنبي صلى الله عليه وسلم شأنه ، فأتاه النبي عليه السلام ، فقيل له : إنه دعا بكذا وكذا ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : "إنه لا طاقة لأحد بعقوبة الله ، ولكن قل : " ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار " . فقالها ، فما لبث إلا أياما أو : يسيرا حتى برئ . [ ص: 204 ]
وقال آخرون : بل عنى الله عز وجل ب "الحسنة" - في هذا الموضع - في الدنيا ، العلم والعبادة ، وفي الآخرة : الجنة.
حدثنا القاسم ، قال : حدثنا الحسين ، قال : حدثنا عباد ، عن هشام بن حسان ، عن الحسن : " ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة " ، قال : الحسنة في الدنيا : العلم والعبادة ، وفي الآخرة : الجنة .
وقال آخرون : "الحسنة" في الدنيا : المال ، وفي الآخرة : الجنة .
3883 - حدثني موسى بن هارون ، قال : حدثنا عمرو ، قال : حدثنا أسباط ، عن السدي " ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة " ، هؤلاء المؤمنون; أما حسنة الدنيا فالمال ، وأما حسنة الآخرة فالجنة .
وأما في الآخرة ، فلا شك أنها الجنة؛ لأن من لم ينلها يومئذ فقد حرم جميع الحسنات ، وفارق جميع معاني العافية .
قال السعدي رحمه الله :
فصــــــار هذا الدعاء ، أجمعُ دعـــــــاءٍ وأكمله ،
ولذا كان هذا الدعـــــــاء أكثــــــــر دعـــــاء النبي صلى الله عليه وسلم
وإنما قلنا إن ذلك أولى التأويلات بالآية ؛ لأن الله عز وجل لم يخصص بقوله - مخبرا عن قائل ذلك - من معاني"الحسنة" شيئا ، ولا نصب على خصوصه دلالة دالة على أن المراد من ذلك بعض دون بعض ، فالواجب من القول فيه ما قلنا من أنه لا يجوز أن يخص من معاني ذلك شيء ، وأن يحكم له بعمومه على ما عمه الله .
وأما قوله : " وقنا عذاب النار" ، فإنه يعني بذلك : اصرف عنا عذاب النار .
ويقال منه : "وقيته كذا أقيه وقاية ووقاية ووقاء" ، ممدودا ، وربما قالوا : " وقاك الله وقيا" ، إذا دفعت عنه أذى أو مكروها .
[ ربنـا آتِنا في الدنيا حسنةً وفي الآخرةِ حسنةً وقِنا عذابَ النار ]
